عبد الله محمود شحاتة
849
تفسير القرآن الكريم
التفسير : 40 - إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ . أي : إنّه تعالى لا ينقص أحدا من أجر عمله والجزاء عليه شيئا ما وإن صغر كذرة الهباء ؛ بل يوفيه أجره ، كما لا يعاقبه بغير استحقاق للعقوبة ، إذ إنّ الثواب والعقاب تابعان لتأثير الأعمال في النفس بتزكيتها أو تدسيتها ؛ فالعمل يرفعها إلى أعلى عليين أو يهبط بها إلى أسفل سافلين ، ولذلك درجات ومثاقيل مقدرة في نفسها لا يحيط بدقائقها إلا من أحاط بكل شئ علما . والخلاصة : إن الظلم لا يقع من اللّه تعالى ؛ لأنه من النقص الذي يتنزه عنه وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم ، وقد خلق للناس مشاعر يدركون بها ما لا يدركه الحس ، وشرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول إلى مثله في هدايتهم وحفظ مصالحهم ، وهي تسوق إلى الخير وتصرف عن الشّر وأيدها بالوعد والوعيد ، فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه كان هو الظالم لنفسه ؛ لأن اللّه لا يظلم أحدا . وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها . أي : إنه تعالى مع كونه لا ينقص أحدا من أجر عمله مثقال ذرة يزيد للمحسن في حسناته ، فالسيئات جزاؤها بقدرها ، والحسنات يضاعف اللّه جزاءها عشرة أضعاف أو أضعافا كثيرة كما قال في آية أخرى : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ . ( الأنعام : 160 ) . وقال : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً . ( البقرة : 245 ) . وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً . أي : إنه تعالى لواسع فضله لا يكتفى بجزاء المحسنين على إحسانهم فحسب ، بل يزيدهم من فضله ويعطيهم من لدنه عطاء كبيرا ، وسمى هذا العطاء أجرا ولا مقابل له من الأعمال ؛ لأنه لما كان تابعا للأجر على العمل سمى باسمه لمجاورته له . وفي ذلك إيماء إلى أنه لا يكون لغير المحسنين ، إذ هو علاوة على أجور أعمالهم ، فلا مطمع للمسيئين فيه . 41 - فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً . أي : إذا كان اللّه لا يضيع من عمل العاملين مثقال ذرة ، فكيف يكون الناس إذا جمعهم اللّه وجاء بالشهداء عليهم وهم أنبياؤهم ؟ ! فما من أمة إلا لها بشير ونذير . وهذه الشهادة عبارة عن عرض أعمال الأمم على أنبيائهم ( لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين ) ومقابلة عقائدهم ، وأخلاقهم ، وأعمالهم بعقائد الأنبياء ، وأعمالهم ، وأخلاقهم ، فمن شهد لهم بينهم بأنهم على ما جاء به وما أمر الناس بالعمل به ؛ فهم ناجون ، ومن تبرأ منهم أنبياؤهم لمخالفة أعمالهم وعقائدهم لما جاءوا به ؛ فأولئك هم الخاسرون وإن ادعوا اتباعهم والانتماء إليهم .